لماذا تعتبر بعض الأشياء التي أحبها ذنوباً؟

بعض الأشياء التي نحبها تعتبر ذنوباً لأن الله، بعلمه المطلق، يعلم أنها ضارة بنا على المدى الطويل، حتى لو بدت جذابة في البداية. هذه المحرمات هي لحمايتنا وتوجيهنا نحو السعادة الحقيقية.

إجابة القرآن

لماذا تعتبر بعض الأشياء التي أحبها ذنوباً؟

السؤال الذي طرحته هو أحد أعمق التساؤلات وأكثرها جوهرية التي يواجهها كثير من الأفراد في رحلتهم الإيمانية. إن شعور المحبة والميل إلى شيء معين هو جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية. فالإنسان ينجذب بطبيعته إلى ما يبدو ممتعاً أو جذاباً. ولكن عندما تتناقض بعض هذه الميول مع التعاليم الإلهية والحدود التي وضعها الله تعالى لسعادة البشر، يطرح السؤال: لماذا؟ لماذا أعلن الخالق الرحيم، الذي زرع المحبة في وجودنا، أن بعض الأشياء التي نميل إليها محرمة أو ذنوباً؟ يجب البحث عن إجابة هذا السؤال في الحكمة الإلهية اللامتناهية، ومعرفة الله العميقة بخلقه، والهدف الأسمى من خلق الإنسان. القرآن الكريم يوضح صراحة أن معرفة الإنسان وبصيرته محدودة جداً مقارنة بالمعرفة الإلهية. فنحن لا نرى إلا جزءاً صغيراً من الحقائق ونجهل غالباً العواقب طويلة الأمد لأعمالنا واختياراتنا. يقول الله تعالى في سورة البقرة، الآية 216: "وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ". هذه الآية الكريمة تمثل المحور الأساسي للإجابة على هذا السؤال. فربما ما يبدو لنا جذاباً وممتعاً في الظاهر، يكون في الباطن وعلى المدى الطويل، له عواقب وخيمة وأضرار عميقة لروحنا، وجسدنا، وعلاقاتنا الاجتماعية، وحتى سعادتنا الأبدية. على سبيل المثال، الملذات العابرة والشهوانية التي تكون خارج الأطر الإلهية، قد تبدو جذابة في لحظتها، ولكنها يمكن أن تؤدي إلى انهيار الأسر، وانتشار الأمراض الروحية والجسدية، وفقدان كرامة الإنسان، والبعد عن الروحانية. فالله، بعلمه اللامتناهي بجميع أبعاد الوجود، يعلم ليس فقط ظاهر الأمور بل باطنها وعواقبها أيضاً، وعلى هذا الأساس، وضع قوانين تضمن صحة الإنسان وسعادته الحقيقية. أحد أهم أسباب تحريم بعض الأمور هو حماية الإنسان من الأضرار. فالله تعالى يحب الإنسان ويريد له الخير والصلاح الأبدي. الذنوب، كأنها سموم تسمم الروح والنفس البشرية وتحرفها عن طريق الكمال والسعادة. الأوامر الإلهية، في حقيقتها، تلعب دور الحامي والمرشد. على سبيل المثال، تحريم الخمر والميسر قد ذُكر بوضوح في سورة المائدة، الآية 90: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ". وفي الآية التالية (المائدة 91) يوضح سبب هذه التحريمات: "إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ". هنا يتضح بجلاء أن الذنب لا يسبب ضرراً فردياً فحسب، بل يضر أيضاً بالعلاقات الاجتماعية وروحانية الإنسان. هذه الأمثلة واضحة على أمور قد تكون مستساغة للبعض في البداية، لكنها تؤدي إلى عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع. علاوة على ذلك، فإن نظام الذنب والثواب في الإسلام هو نظام تربوي. فالحياة الدنيا هي ميدان اختبار وابتلاء إلهي. خلق الله الإنسان حراً ومنحه حرية اختيار طريق الخير والشر. هذه الحرية والاختيار ضروريان للاختبار الإلهي. فلو كان كل شيء وفقاً لرغباتنا وميولنا ولم تكن هناك قيود، لزال مفهوم العبودية والطاعة. الميول النفسية (الأشياء التي نحبها) غالباً ما تنجذب نحو الملذات المادية الفورية، بينما طريق الكمال والنمو الروحي يتطلب الصبر والمثابرة وأحياناً التخلي عن بعض هذه الميول. هذا التخلي لا يعني تجاهل الرغبات البشرية تماماً، بل يعني تنظيمها ضمن إطار الشريعة والمنطق الإلهي. الهدف الأساسي من الدين هو تزكية النفس والوصول إلى القرب الإلهي. والذنوب هي حجب تمنع الإنسان من تحقيق هذا الهدف. فبعض الأمور التي قد تكون مستساغة لنا، تقوي النفس الأمارة بالسوء وتدفع الإنسان نحو الأنانية والطمع والتكبر وغيرها من الرذائل الأخلاقية. في المقابل، العبادات والابتعاد عن الذنوب تساعد على تهذيب النفس وتنمية الفضائل الأخلاقية مثل الصبر والشكر والتواضع والإيثار في الإنسان. لذا، فإن القيود والمحرمات الإلهية لم توضع لحرمان الإنسان من المتعة، بل لهدايته نحو ملذات روحية ومعنوية أكثر استدامة وعمقاً، وفي النهاية، السعادة الأبدية. بمعنى آخر، الذنوب بمثابة العقبات التي وُضعت في طريق نمو الإنسان وكماله. تخيل طفلاً يرغب في وضع يده في النار أو تناول مادة سامة، يمنعه والداه. هذا المنع ليس من العداوة، بل من المحبة والشفقة، لأن الوالدين يعلمان عواقب الفعل والطفل لا يعلم. وبالمثل، فإن الله تعالى، وهو خالقنا وربنا، على علم بجميع جوانب وجودنا وبجميع أبعاد العالم، ويعلم ما هو مفيد لنا وما هو ضار. وبالتالي، فإن تلك الميول والرغبات التي إذا تحققت، ستضر روحنا أو جسدنا أو مجتمعنا، قد تم تعريفها على أنها ذنوب لكي يبتعد عنها الإنسان ويهتدي إلى ما هو خير له حقاً. في الختام، هذا السؤال "لماذا تعتبر بعض الأشياء التي أحبها ذنوباً؟"، إجابته مستمدة من "الحكمة الإلهية". فالله تعالى على علم بما هو الأفضل لنا، والقوانين التي شرعها لم تكن لتقييد متعنا بدون سبب، بل لحماية أرواحنا وأجسادنا، والحفاظ على كرامة الإنسان، وهدايتنا نحو السعادة الأبدية. يتطلب قبول هذه الحقيقة التوكل والتسليم والثقة في علم وحكمة الرب، لأنه هو "العليم" ونحن "الجهلاء".

الآيات ذات الصلة

قصة قصيرة

يُروى في بستان السعدي أن طفلاً صغيراً، مفتوناً بلهب النار الراقص في الموقد، مد يده الصغيرة بشوق نحوه. الأب الحنون، عندما رأى هذه الرغبة الخطيرة، أمسك يد الطفل على الفور وأبعده عن النار. بكى الطفل ونظر إلى أبيه، لم يفهم لطف أبيه ولا الخطر الكامن في ذلك اللهب الجميل. الأب، بصبر وابتسامة، قبّل يديه الصغيرتين واحتضنه. القصة تعلمنا أن ما يبدو جميلاً ومحبوباً في الظاهر، قد يحمل في باطنه حرقاً ودماراً. الله يفعل معنا كذلك؛ من رحمته التي لا حدود لها، يمنعنا عما يبدو حلواً في اللحظة ولكنه يحمل عواقب وخيمة، لأنه يعلم كل شيء ويعرف ما هو خير لنا أفضل مما نعرفه نحن لأنفسنا.

الأسئلة ذات الصلة